محمد بن جرير الطبري
86
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وقال لبيد بن ربيعة : في ليلة كفر النجوم غمامها يعني غطاها . فكذلك الأَحبار من اليهود غطوا أمر محمد صلى الله عليه وسلم وكتموه الناس مع علمهم بنبوته ووجودهم صفته في كتبهم . فقال الله جل ثناؤه فيهم : إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ ما أَنْزَلْنا مِنَ الْبَيِّناتِ وَالْهُدى مِنْ بَعْدِ ما بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتابِ أُولئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ وهم الذين أنزل الله عز وجل فيهم : إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ القول في تأويل قوله تعالى : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ وتأويل " سواء " : معتدل ، مأخوذ من التساوي ، كقولك : متساو هذان الأَمران عندي ، وهما عندي سواء ؛ أي هما متعادلان عندي . ومنه قول الله جل ثناؤه : فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلى سَواءٍ يعني أعلمهم وآذنهم بالحرب حتى يستوي علمك وعلمهم بما عليه كل فريق منهم للفريق الآخر . فكذلك قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ معتدل عندهم أي الأَمرين كان منك إليهم الإِنذار أم ترك الإِنذار لأَنهم كانوا لا يؤمنون ، وقد ختمت على قلوبهم وسمعهم . ومن ذلك قول عبيد الله بن قيس الرقيات : تغذبي الشهباء نحو ابن جعفر * سواء عليها ليلها ونهارها يعني : بذلك : معتدل عندها السير في الليل والنهار ، لأَنه لا فتور فيه . ومنه قول الآخر : وليل يقول المرء من ظلماته * سواء صحيحات العيون وعورها لأَن الصحيح لا يبصر فيه إلا بصرا ضعيفا من ظلمته . وأما قوله : أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ فإنه ظهر به الكلام ظهور الاستفهام وهو خبر ؛ لأَنه وقع موقع " أي " ، كما تقول : لا نبالي أقمت أم قعدت ، وأنت مخبر لا مستفهم لوقوع ذلك موقع " أي " ، وذلك أن معناه إذا قلت ذلك : ما نبالي أي هذين كان منك ، فكذلك ذلك في قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لما كان معنى الكلام : سواء عليهم أي هذين كان منك إليهم ، حسن في موضعه مع " سواء " : أفعلت أم لم تفعل . وقد كان بعض نحويي أهل البصرة يزعم أن حرف الاستفهام إنما دخل مع " سواء " وليس باستفهام ، لأَن المستفهم إذا استفهم غيره فقال : أزيد عندك أم عمرو ؟ مستثبت صاحبه أيهما عنده ، فليس أحدهما أحق بالاستفهام من الآخر . فلما كان قوله : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ بمعنى التسوية ، أشبه ذلك الاستفهام إذ أشبهه في التسوية ، وقد بينا الصواب في ذلك . فتأويل الكلام إذا : معتدل يا محمد على هؤلاء الذين جحدوا نبوتك من أحبار يهود المدينة بعد علمهم بها ، وكتموا بيان أمرك للناس بأنك رسولي إلى خلقي ، وقد أخذت عليهم العهد والميثاق أن لا يكتموا ذلك وأن يبينوه للناس ويخبروهم أنهم يجدون صفتك في كتبهم ؛ أأنذرتهم أم لم تنذرهم فإنهم لا يؤمنون ولا يرجعون إلى الحق ولا يصدقون بك وبما جئتهم به ؛ لما : حدثنا محمد بن حميد ، قال : حدثنا سلمة بن الفضل ، عن محمد بن إسحاق ، عن محمد بن أبي محمد مولى زيد بن ثابت ، عن عكرمة ، أو عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس : سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَ أَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ أي أنهم قد كفروا بما عندهم من العلم من ذكر وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق لك ؛ فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك ، فكيف يسمعون منك إنذارا وتحذيرا وقد كفروا بما عندهم من علمك ؟ القول في تأويل قوله تعالى : خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وَعَلى سَمْعِهِمْ وأصل الختم : الطبع ، والخاتم : هو الطابع ، يقال منه : ختمت الكتاب ، إذا طبعته . فإن قال لنا قائل : وكيف يختم على القلوب ، وإنما الختم طبع على الأَوعية والظروف